La RN N°8

"الشروق" تعود إلى واحد من أكثر الطرق دموية ورعبا زمن التسعينيات

طريق تابلاط .. من هنا مرَّ عنتر زوابري وهنا عادت صانعات الفخار

2010.11.14

روبورتاج: فضيلة مختاري

20 ألف نازح تركوا قراهم ومداشرهم زمن سنوات الجمر

كان من الجنون أن تُغامر بحياتك وتمر عبر طريق تابلاط زمن التسعينيات، فمرورك من تلك الطريق كان يعني حتما مواجهتك للموت الأكيد.. لا يزال سكان المنطقة يتذكرون سنوات الجمر، وكيف حول الإرهابيون أحشاء غابات الصنوبر إلى كازمات لاغتصاب النساء وصنعوا من هدوء الطريق مشاهد لصناعة الموت و"البسيكوز".

اليوم ونحن نكنس رماد هذه السنوات عدنا للطريق مثلما عادت »صانعات الفخار«، لبيع طاجين المطلوع في تحدي آخر ليس ضد الإرهابيين، بقدر ما هو تحدي من أجل لقمة العيش.

عادت أيضا مياه تابلاط العذية تصنع الحدث، وأنت تقف بالمكان يتذكر الكثيرون كيف أن هذا المنبع جف سنوات الجمر، وكأن الجبل كان يرفض أن يمد مياه جوفه لصانعي الموت، يستوقفك منظر الطابور الطويل من السيارات وهي تحمل مختلف ترقيم ولايات البويرة، البليدة، العاصمة، سطيف، باتنة، المسيلة.. من أجل قارورة ماء عذبة بها سر يشفي كل عليل...

 

النازحون يعودون إلى قراهم ومداشرهم وصانعات الفخار

عمي الطيب الرجل الوحيد الذي رفض الهجر، إيمانه بأن الموت حق ولن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، جعله يبقى وحيدا في ذلك الريف طيلة سنوات الجمر، ظل فيها يحرس أهله وأرضه ببندقية صيد، واليوم وبعد عودة الاستقرار استفاد من إعانة الحكومة بمبلغ معتبر استغله في إعادة ترميم منزله. مثلما عاد الكثيرون ممن تركوا أراضيهم سنوات الإرهاب، عادوا مجددا لزرعها منها من زرعت لأول مرة بعد أكثر من خمسة عشر عاما ومنها من تزرع لثاني مرة بعد السنة الماضية، ومن الفلاحين من استصلح حتى الأراضي الوعرة مستغلا وفرة المياه وتخصيص الولاية لمبالغ استغلت في بناء أحواض لجمع الماء لسقي الأراضي التي فضل أصحابها التنويع في زرعها فمنهم من زرعها قمحا بنوعيه الصلب واللين ومنهم من اختار زراعة الخضر وحتى أشجار الفواكه، أصبح يمكن زرعها هنا لتكون منافسا لأشجار الزيتون.

ولعل أهم شيء إعادة تعبيد الطريق مما سهل مهمة وصول السيارات وآلات الزرع إلى الأراضي الوعرة، ولعل الشيء الملفت للانتباه هو تلك السواعد الشابة التي تركت الريف في عمر الزهور وعادت إليه اليوم لتكمل مسيرة الأجداد، فأغلب من تكفل بتبني الأراضي اليتيمة هم شباب ورثوا حب الأرض عن الآباء و»مراد« واحد من هؤلاء الشباب استطاع أن يعيد للأرض خضرتها ويمزج بين زراعة القمح والخضر وأشجار الفواكه، استوقفناه وهو في طريقه لتسويق منتوجها من الخضروات باتجاه الجزائر العاصمة.

 

20ألف نازح تركوا أراضيهم زمن سنوات الجمر

كشفت مصادر محلية أن عدد النازحين ممن تركوا قراهم ومداشرهم زمن سنوات الجمر قدر بأزبد من 20 ألف نازح، غير أن نفس المصادر أكدت عودة الكثيرين منهم إلى ديارهم وقراهم، في إطار الاستفادة من مبالغ مالية لإعادة إعمار الأرياف والقرى.

قدر عدد النازحين إلى مقر ولاية المدية بأكثر من 20 ألف نازح خلال سنوات الإرهاب، وهو ما جعل الولاية بعد عودة الأمن والاستقرار تعتمد إلى وضع مخطط لإعادة تأهيل الريف والعمل على عودة السكان إلى مداشرهم حيث قدمت لهم مساعدات تراوحت ما بين 20 و120 مليون سنتيم لكل شخص، وكل حسب الأضرار التي ألحقت بمنزله من جراء الهدم أو الحرق.

وحسب مصادر محلية فإن عمليات إعادة السكان إلى الأرياف كانت بدايتها منذ عام 2001 وبالرغم من عودة بعض الأهالي إلى مناطقهم بعد عام من انطلاقها والتي قدرت بـ 2800 عائلة منذ عام 2002 إلى غاية عام 2009 إلا أنها أرقام محتشمة مقارنة بالعدد الحقيقي للنازحيين.

 

مدارس بلا مديرين وتلاميذ يتنقلون برا ومفايا استنزفت خيوط الكهرباء

على طول طريق تابلاط عادت مظاهر الحياة تتجذر من جديد، أطفال لا تتعدى أعمارهم العشر سنوات، يقتاتون من الزعتر والنعناع وحتى زيت الزيتون لقمة عيش، "عمار" واحد من هؤلاء استوقفنا على الطريق وبيده ربطة زعتر قال لنا إن ثمنها 20 دينارا، سألته إن كان لا يزال يدرس أم لا رد قائلا: "مدرستنا هناك عندما أتغيب لا أحد يسأل عني لهذا أنا أبيع الزعتر. وبسرعة لمح البصر جاء يركض من مكان بعيد "علي".. طفل في التاسعة من عمره، بيده ربطة زعتر هو الآخر وزجاجة زيت زيتون قاطع صديقه قائلا "إنها زيت أصلية هل تشترين؟. عندما سألته عن دراسته رد قائلا: "أذهب من حين لآخر، لدينا مدرسة بلا مدير" حاولت أن أستفسر أكثر عن الأمر لأكتشف أنه داخل مدرسة بكاملها عدد التلاميذ بين السنة الأولى والثالثة والخامسة لا يتجاوز 18 تلميذا، عدد قليل، لكن السؤال يبقى مطروحا، هل وزارة التربية مطالبة بفتح مدارس دون مديرين ولا مراقبين؟.

النازحون عادوا إلى قراهم لكنهم وجدوا أريافهم قد استنزفت "أحواش" بكاملها خربت فيها أعمدة الكهرباء بحثا عن خيوط النحاس، حيث عمدت اللصوص حتى إلى اقتلاع الأعمدة الحديدية الضخمة لنقل الكهرباء والمتاجرة بها كنفايات حديدية.

 

"قنطرة السناسل" تستعيد نبض حياتها

وعلى قدم وساق تم ترميم وتوسيع الطريق حتى انه أصبح منافسا للطريق الوطني رقم 05، وهو ما ساعد في تقليل حوادث المرور عبر هذا الطريق الذي أودى بحياة الكثيرين، وربما الحدث الأكثر إنجازا في هذا الطريق هي إعادة افتتاح "قنطرة السناسل" التي أعادت للطريق جزءا كبيرا من حيويتها واختصرت مسافة الطريق ما بين العاصمة والبويرة والمدية وباقي ولايات الجنوب الجزائري، وكل ذلك ما كان ليكون لولا شجاعة السواعد الجزائرية التي اختارت العمل في طريق صعب المسلك كثير الخوف، وبالرغم من أن عملية توسيع وترميم الطريق لم تنته بعد غير أن الكثيرين ممن كانوا يتنقلون عبر الطريق الوطني رقم 5 فضلوا تغيير مسلك مرورهم، وهو ما تشاهده في ترقيم السيارات الحاملة للأرقام 10 / 16 / 26 / 28 والتي تشاهدها حتى في أوقات متأخرة من الليل.تركنا المكان بجماله الخلاب، وتركنا معه أشجار اللوز، والكثير من العسكر في مهمة عودة الأمن الذي نتمنى أن يبقى دائما.

 

 

Ajouter un commentaire

Vous utilisez un logiciel de type AdBlock, qui bloque le service de captchas publicitaires utilisé sur ce site. Pour pouvoir envoyer votre message, désactivez Adblock.

الصلاة و السلام عليك يا رسول الله

Créer un site gratuit avec e-monsite - Signaler un contenu illicite sur ce site